السيد محمد الصدر
41
منة المنان في الدفاع عن القرآن
يُعرف ما فيها . وأمّا ما هو مكتوبٌ في تلك الصحف فغير معلومٍ ، والآية لم تتعرّض لذلك ، ولعلّه لا توجد مصلحة للبيان ، وكذلك الآية لم تشر إلى من سيطّلع عليها ، فهذه الأُمور غير مذكورةٍ عن علمٍ وعمدٍ وحكمةٍ . ومن هنا يكون في مدلول الآية عدّة أُطروحات : الأُطروحة الأُولى : أنَّها صحف الأعمال التي كتبتها ملائكة الحسنات والسيّئات ، وهي الأُطروحة المشهورة بين المفسّرين ، وإنَّما تنشر ليطّلع عليها الفرد نفسه بعد أن نسيها ؛ لأنَّ ابتلاءات الدنيا وأهوال الموت والبرزخ تجعله ينسى ما فعل أو ليطّلع عليها أهل المحشر . ووجه الحكمة في اطّلاع أهل المحشر عليها هو إنَّها إن كانت حسناتٍ كان ذلك زيادةً في فضل الله لصاحبها ونشراً لمحامده ، وإن كانت سيّئاتٍ كان ذلك فضحاً له على رؤوس الخلائق ، وهو من جملة عقوبات الفاعل . فإن قلت : لا يحتاج الفرد إلى معرفة ذنوبه عبر الصحف ؛ لأنَّها حاضرةٌ لديه بالعلم الحضوري أو العلم الحصولي بالتذكر ، كما قال تعالى : بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ « 1 » . قلت : نعم ، ولكن هذا العلم الإجمالي أو الارتكازيّ بمقدار ارتكازه لا ينفع ؛ لأنَّنا بحاجةٍ إلى العلم التفصيلي في يوم الحساب ، أي : إلى دقائق الأُمور والحوادث ، مضافاً إلى أنَّ فيه فائدة أُخرى ، وهي التحدّي وإبراز قدرة الله سبحانه على ضبط كلّ الأُمور الخاصّة وبدقّةٍ غير متناهيةٍ . ولعلّ المرء يكون منكراً لهذه الأُمور في الدنيا ، إلّا أنَّه في الآخرة يكون مواجهاً بها . ثُمَّ في المقام إشكالٌ على مستوى علم الكلام ، وحاصله : هل هذا البيان
--> ( 1 ) سورة القيامة ، الآية : 14 .